التوقيت الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020
التوقيت 08:33 م , بتوقيت القاهرة

السعودية ومصر.. الاختلاف أصل السياسة

تحرص وسائل الإعلام السعودية، والكتاب المقربون من دوائر الحكم، على تأكيد أن التحالف "العشري" الذي نفذ عملية "عاصفة الحزم" كان بقيادة سعودية. يعلم الجميع أنه كان بقيادة سعودية، لكن المقصود هو التأكيد على أنه لم يكن بقرار مشترك نابع من مؤسسة إقليمية، كالجامعة العربية. وجود باكستان في التحالف العشري يدعم هذا. وبهذا تتحول المنظمات الداعمة إلى مجرد منظمات داعمة، وليست مظلة يتحرك تحتها التحالف. تتساوى في ذلك منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية.



جامعة الدول العربية إحدى مصادر السلطة الموروثة من النظام الإقليمي السابق. ضمن توازنات النظام الإقليمي السابق. وهي - بالنسبة لبعض الدول، ولأسباب واضحة - لا تعبر تعبيرا حقيقيا عن التوازنات الحالية. بل تعطي ثقلا سياسيا أكبر للرأي العربي المجتمع، للأغلبية العددية بواقع صوت لكل دولة، بغض النظر عن الوزن السياسي الحقيقي للدولة. كما تعطي ثقلا سياسيا لدولة المقر - مصر.


يرتبط هذا، بالتالي، بحرص تلك الداوئر الإعلامية السعودية على التأكيد على نقطة أخرى. أن قصف السعودية لليمن يختلف عن قصف مصر لليبيا. 


1.? السعودية بنت تحالفا من عشر دول، ولم تتصرف منفردة. 
2. السعودية حصلت على دعم عالمي لخطوتها. 
3. السعودية استنفدت وسائل أخرى قبل التدخل. 
4. التحرك السعودي له هدف سياسي، وليس مجرد رد فعل. بمعنى أن الغرض الأساسي منه إحداث تغيير في ميزان القوى يسمح بانطلاق عملية سياسية جديدة. وليس مجرد ضربة انتقامية. 


كيف تتصرف مصر إزاء هذا؟


هناك طريقة قديمة، سيلجأ لها من اعتادوا عليها. الزن على آذان الجماهير بالرسالة التي تتمنى مصر لو اقتنع الناس بها. بغض النظر عن الوقائع والمعطيات على الأرض.


هذه طريقة لا تجدي نفعا، ولا أفق سياسيا لها.


لولا الاختلاف في المصالح ووجهات النظر ما كان للسياسة معنى. السياسة فن إدارة الاختلاف. الرغبة المبالغ فيها في تأكيد "تطابق وجهات النظر" ليست فقط رغبة في حدوث المستحيل، إنما - أيضا - رغبة مهلكة سياسيا. أبسط عواقبها شغلنا عن مناقشة الاختلافات بجدية والتوصل إلى حلول وسط، وأعقد عواقبها ترجمة "عدم التطابق" بالشقاق، والعمل على هذا الأساس.


أولوية السعودية المطلقة هي إيران، والخطر الأكثر حضورا على السعودية هو إيران. هل أحتاج إلى شرح هذا؟ حسنا. التمدد الإيراني خط يمتد عبر العراق إلى سورية إلى لبنان، هذا على الحدود الشمالية للسعودية، ثم ينحني نحو غزة. ليس هذا فقط. بل يظهر في اليمن، على الحدود الجنوبية للسعودية. هذا يعني أيضا نفوذ على البحر الأحمر في مضيق باب المندب، يكمله نفوذ آخر في مضيق هرمز في الخليج العربي/الفارسي. لقد كانت اليمن القطعة الناقصة لإكمال دائرة خنق السعودية، برا وبحرا. لو أضفنا إلى ذلك جيوب التأثير الإيراني داخل السعودية وداخل الخليج، لعرفنا ماذا يعني الخطر الإيراني على السعودية. ثم تخيلي أيضا لو امتلكت إيران الشيعية الفارسية الجهادية قنبلة نووية. (هذه هي الرسالة التي أرسلتها السعودية بدعوة باكستان السنية الأوردية النووية إلى التحالف).


النفوذ الإيراني ليس ناشئا عن دعم سياسي لحلفائها فقط، بل عن مشاركة "جسدية" بالسلاح وبالقادة والجنود، في سورية وفي العراق وفي لبنان. والآن في اليمن.


هل هذه نفس الأولويات المصرية؟


مصر تدعم السعودية في مواجهة إيران، بلا شك. لكنها - حين نأتي إلى الإجراءات - لا تلبي الطموحات السعودية. موقفها في سوريا مختلف. لم تشارك في التحالف الدولي ضد داعش في العراق. ويبدو أنها تبحث عن قوة انتشار سريع تكون دفاعية، تدافع عن أرض الخليج، بالمفهوم الجغرافي، وليس بالمفهوم السياسي.


وهنا نقطتان لا بد من الالتفات إليهما:


1. لفظة "الانتشار" مفتاح فهم تخوفات سعودية. 
مصر كثيفة السكان + رئيس حديث عهد بالحياة العسكرية + انتشار = ذكريات خليجية لا تبعث على الاطمئنان.


2. لو فهمنا النقطة السابقة، لفهمنا التحفظ السعودي في موضوع ليبيا. لأنه يذكي المخاوف المشار إليهل. 


هنا مشروعٌ السؤال: طيب وهي السعودية يضرها إيه لو مصر اتصرفت في ليبيا بما يخدم مصالحها ولا يعرقل المصالح السعودية؟ 


والإجابة تتلخص في التالي: 


1. يضرها في ترتيب الأولويات. سيضع لرغبات مصر - التي تدعمها السعودية بالمال - نفس الثقل الذي لرغبات السعودية. وسيكون مطلوبا من نفس التحالف السياسي، بنفس الإمكانات، مضاعفة الأهداف. 


2. يضرها في ترتيب التحالفات نفسها. وهذا موضوع دقيق جدا. السعودية لا تريد أن تضع هذا التحالف على محك المساومات. لا تريد إثارة قضايا تجعلها تختار بين تبني الموقف المصري وفقدان تركيا وقطر، أو العكس. تركيا مهمة جدا للسعودية على الخط الشمالي العراق/سوريا.


3. تخوف سياسي من تصاعد الدور المصري، دون قدرة اقتصادية تبرره. الدول الفقيرة ذات الطموح العسكري قنبلة موقوتة.


لكل هذه الأسباب مجتمعة فإن المنافسة على جهة القيادة تعدى كونه تباهيا وطنيا، أو برستيچ، بل صار ذا أثر عملي. السعودية - تاريخيا - اعتادت الدبلوماسية الصامتة، أو العمل من وراء ستار. تخليها عن هذا النهج، لصالح قيادة تحالف عسكري، يبين لنا إلى أي حد صار التصرف كقائد إقليمي مهما، بالغ الأهمية، استراتيجيا. وهي لن تسمح بمزاحمةٍ هنا، سواء بتصرفات منفردة، أو باستخدام آليات سياسية (تجاوزها الواقع السياسي) كجامعة الدول العربية. 


هنا أعود مرة أخرى إلى غرض هذا المقال. هنا أعود إلى السؤال الذي أفضت في التقديم لإجابته، لأن من المهم لنجيب عليه أن نتفهم وجهات نظر من حولنا. السؤال للتذكرة: كيف تتصرف مصر؟


الواقع الاقتصادي والسياسي لا يعطي مصر مجالا لإنكار القيادة السعودية في الإقليم، القدرة على الحشد، القدرة على الإنفاق على القرار وبالتالي وضعه موضع التنفيذ، القدرة على تحمل تكاليف المواجهة إقليميا وعالميا. لذلك لا داعي لتضييع الجهد في هذه النقطة. كما لا داعي لأن تكون سببا للحرج أو الشعور بالإهانة. هذه هي السياسة. ولا سيما أنه - إجرائيا - سيظل أمام مصر اتجاهين عريضين للتصرف:


1. إما بمزيد من المشاركة في تحقيق التصور السعودي. هذا يستلزم موقفا أكثر حدة تجاه النظام السوري، واستعدادا للمشاركة الفعالة في التحالفات الدولية التي تدعمها السعودية. هذا الخيار يحمل مخاطرات بالطبع، ويحتاج إلى حسابات سياسية بمنطق الاستعداد لتحمل خسارات معينة في سبيل الوصول إلى هدف أبعد. لكنه قد يكون أدعى للحفاظ على مستوى الدعم السعودي، اقتصاديا وسياسيا. 


2. أو الاكتفاء بدعم السعودية قولا، ثم فعلا حين تلتقي المصالح فقط. ربما يكون هذا أقرب إلى صورتنا عن "الكبرياء الوطني". فإن تجاوزنا ذلك إلى الحسبة السياسية البراجماتية، علينا أن نتوقع أن مستوى الدعم السعودي سياسيا واقتصاديا سيتناسب صعودا وهبوطا مع حجم الدور المصري في تنفيذ رؤيتها. هذا من ناحية. من ناحية أخرى، لربما تقود الأحداث إلى صراع إقليمي واسع، منهك، يكون مكسب مصر النسبي فيه استنزاف السعودية وإيران لبعضهما البعض، على طريقة الحرب العراقية الإيرانية. أو - أكثر من ذلك - زيادة الحاجة إلى مصر، وبالتالي ارتفاع قيمة خدماتها السياسية.


والحقيقة أن اختيار سبيل من هذين السبيلين ليس أمرا سهلا. وهو يحتاج أكثر ما يحتاج إلى معرفة بالقدرات العسكرية وحجم الإمكانات الحقيقية، وذلك لا يتوفر لوسائل الإعلام. إنما لا بد لنا كمتابعين، وليس فقط لمن يتخذون القرار، أن نكون على وعي بهذا النقاش بمعناه السياسي، ولا نكتفي على عاداتنا بالمناقشة الشعاراتية. تلك لن تفيد أحدا، بل ستضرنا كثيرا في هذه المرحلة الحرجة جدا من المسار السياسي في المنطقة العربية. ستجعلنا نتشنج بدل من التفهم والنقاش. وستجعلنا نفشل بعضنا بعضا، ولن يكون هذا في صالح السعودية أو مصر.