التوقيت الإثنين، 26 أغسطس 2019
التوقيت 11:00 ص , بتوقيت القاهرة

"النووي".. "حلم عربي" قتلته إسرائيل وأعادت إيران إحياءه

يثير البرنامج النووي الإيراني مخاوف المنطقة العربية أكثر من أي وقت مضى، بعدما بدأت مفاوضات طهران النووية مع الغرب تكشف ملامح اتفاق يرضي جميع الأطراف، ولا يقدم للدول العربية أي ضمان للحد من التهديدات المستقبلية عليها.


يأتي ذلك في ظل التوسع الإيراني في النظم العربية، التي انهار عدد كبير منها خلال الفترة الماضية، وعلى رأسها سوريا والعراق واليمن، وهو ما قد يدفع الدول العربية إلى البحث عن مكافئ للقوة النووية الإيرانية، سواء من خلال إنتاج برامج نووية مستقلة، أو البحث مصدر للحصول على الأسلحة النووية.


الحلم النووي العربي 


قضية البحث العربي عن التسلح النووي، لم تكن وليدة اللحظة، حيث أثارها الجانب الإسرائيلي قبل بحصوله على أسلحة نووية، بينما لم يحالف معظم المشروعات النووية في العالم العربي النجاح، سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا، وأثارت هذه المفاعلات جدلا كبيرا، خاصة أن من دمر مفاعلي سوريا والعراق النوويين طائرات إسرائيلية.


من العراق بدأت أولى خطوات إنشاء مفاعل نووي عربي في عام 1968، حيث استوردت بغداد مفاعل نووي صغير ومحدود الإمكانيات لاستخدامه في توليد الطاقة، ووقع العراق في العام 1969 على اتفاق منع انتشار الأسلحة النووية، وفي سوريا، اكتُشف أمر المفاعل النووي بعد غارة جوية إسرائيلية في سبتمبر 2007، أدت لتدميره، وفي ليبيا كشف الرئيس الليبي السابق معمر القذافي عن  برنامجه النووي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق بفترة وجيزة.



مفاعل تموز والرعب الإسرائيلي


صمم المفاعل العراقي ليكون بقدرة 40 ميجا وات حراري، وسماه الفرنسيون "أوزيراك -1"، بينما كان معروفا في العراق باسم "تموز – 1" وهو يولد فيضا من النيوترونات الحرارية، ويستخدم لبحوث الفيزياء النووية، وفيزياء الحالة الصلبة، ولفحص المواد بما في ذلك الوقود النووي، المستخدم في تصنيع أجزاء محطات الطاقة النووية.


ويمكن استخدام هذا المفاعل لإنتاج النظائر المشعة، وإلى جانب "تموز" أنشئ مفاعل صغير باسم "أوزيراك -2 "، وهو ذو قدرة 500 كيلو وات حراري فقط، ويستخدم كنموذج نيوتروني لمفاعل تموز-1.



المخابرات الإسرائيلية رأت أن الغرض الرئيسي من ذلك هو بناء مفاعل نووي عسكري قد يهدد وجودها، وبدأت التخطيط لتدمير مفاعل "تموز" في 1980.


وفي السابع من شهر يونيو عام 1981، انطلق سرب من المقاتلات الإسرائيلية، (إف 16- إف 15)، من قواعدها في صحراء سيناء التي كانت تحت الاحتلال، ووصلت الطائرات التي يتحدث طياروها اللغة العربية إلى مفاعل بغداد، حيث انقطع البث الإذاعي في عموم بغداد، واستمر لمدة 15 دقيقة، بواسطة مجموعة من طائرات الحربية التي استطاعت أن تخترق الأجواء السعودية والعراقية، وصولا إلى هدفها الذي يقع في الجنوب الشرقي من بغداد.



استغرقت عملية قصف مفاعل تموز دقيقتين أطلقت فيها 16 قنبلة، وأصابت 14 منها أهدافها بدقة دون انهيار المبنى الرئيس للمفاعل، الذي تعرض لأضرار كبيرة، حيث قتل 11 شخصا منهم مهندس فرنسي الجنسية.


الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، زار الموقع بعد نصف ساعة من القصف الإسرائيلي، وبصحبته عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وبثت إسرائيل فيديو عملية تدمير المفاعل، وأظهر تسجيل الفيديو أصوات الطيارين وكان أحدهم يقول: "إني أرى بعض البدو، هم ينظرون ولكن يبدو أنهم لا يفهمون شيئا".


وقال آخر: "أجتاز الآن الطريق إلى العراق، أرى شاحنتين إلى اليسار، وأرى مجمعا عسكريا"، مضيفا: "أرى الفرات، النهر المقدس، لا علاقة له بالأردن، لا أرى طائرات ميج، ها هي أسوار المفاعل، هناك هوائيات، ألقيت القنابل".


وبعد أقل من دقيقة من القصف قال أحد الطيارين إنه يرى ألسنة النيران والدخان بينما ينهار المفاعل، وأشار آخر إلى أن طائرات الـ(إف-16) الثماني تعود إلى إسرائيل، بعد "تدمير الهدف".



الكبر "السوري"


قبل منتصف الخامس من سبتمبر 2007، أقلعت 4 مقاتلات إسرائيلية من طراز "إف-15"، و4 أخرى من طراز "إف-16"، من القواعد الجوية الإسرائيلية، واستخدمت أجهزة للتشويش على أجهزة الرادار السورية ودفاعاتها الأرضية.


وفي حدود 13 دقيقة، بين الساعتين 12:40 و12:53 بعد منتصف الليل، ألقت الطائرات الإسرائيلية 17 طنا من المتفجرات على موقع "الكبر" السوري النووي.


وفي الساعة 2:55 مساء 6 سبتمبر، أفادت وكالة الأنباء السورية بأن الطائرات الإسرائيلية الحربية جاءت من البحر المتوسط، واخترقت المجال الجوي السوري في الساعة الواحدة صباحا تقريبا، ونقلت "سانا" عن ناطق عسكري سوري قوله إن "وحدات الدفاع الجوي تصدت لها، وأجبرتها على الرحيل بعدما أسقطت بعض الذخائر في مناطق صحراوية دون أن تحدث أي ضرر مادي أو إنساني".



إسرائيل من جانبها نفت ذلك عبر إذاعتها العسكرية، مؤكدة أن هذا الحادث "لم يقع أبدا"، وفي مساء اليوم ذاته قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إنه سمع فقط تقارير ثانوية "تناقض بعضها البعض".


وكانت وكالة الأمن القومي الأمريكية رصدت في ربيع 2004 عددا من المكالمات الهاتفية ما بين سوريا وكوريا  الشمالية، مع وجود خط مشغول بشكل دائم ما بين بيونج يانج ومكان شمال الصحراء السورية يدعى "الكبر".


هذا الملف الذي حصلت عليه الوكالة أرسل إلى الوحدة العسكرية الإسرائيلية "8200"، المسؤولة عن الاستطلاع الإذاعي ولديها لواقطها المنصوبة في تلال قرب تل أبيب. 



وكشف تحقيق صحفي نشرته مجلة "ذي نيويوركر" في عددها الأخير بعض أسرار الضربة الجوية لموقع يعتقد أنه كان منشأة نووية سورية في مارس 2007.


مفاعل زمزم


ذكرت أسبوعية "دير شبيغل" الألمانية، في شهر يناير 2015، أن الرئيس السوري بشار الأسد يعمل سرا على بناء مجمع تحت الأرض بإمكانه تصنيع أسلحة نووية.



والمصنع يقع في منطقة جبلية وعرة المسالك في غرب البلاد، على بعد كيلو مترين من الحدود اللبنانية، بحسب المجلة، التي أكدت ذلك بناء على "وثائق حصرية"، وصور التقطتها الأقمار الصناعية، ومحادثات اعترضتها أجهزة الاستخبارات.



وأوضحت "دير شبيغل" أن الموقع القريب من مدينة القصير تصل إليه شبكتا المياه والكهرباء، والاسم الرمزي له هو "زمزم"، ويمكن استخدامه في بناء مفاعل أو مصنع لتخصيب اليورانيوم، بحسب ما قاله "خبراء غربيون" للمجلة.


ونقل النظام السوري إلى المجمع الجديد 8 آلاف قضيب وقود، كانوا مخصصين لموقع "الكبر" السري، الذي يشتبه في أنه يحوي مفاعلا نوويا سريا، حيث يعمل به خبراء كوريين شماليين وإيرانيين.



النووي الليبي 


أعلنت ليبيا في ديسمبر من عام 2003 أنها ستتخلى عن جهودها لتطوير أسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية، وسمحت لمفتشين أمريكيين بتفتيش مواقع أسلحتها وإزالة المعدات الحساسة. 


المفاعل النووي الليبي، تابع لمركز البحوث النووية في منطقة تاجوراء، قرب طرابلس، يعمل في سياق البحث العلمي لأغراض سلمية، مع وجود طموح ليبي في ذلك الوقت لاستخدامه في تصنيع سلاح نووي، إلا أن المفاعل، الذي تم تركيبه في 1983 بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي السابق، لم يكن في يوم من الأيام جاهزا للتصنيع العسكري، لأنه بطاقة 10 ميغاوات، وملحق به مجمع فصل للنيوترون، وهو معزز بمولدات للنظائر المشعة بهدف الاستخدام في الطب، والزراعة، والجيولوجيا، والبيولوجيا.



يضم الموقع مختبرا للأبحاث، ويستخدم تخصيب اليورانيوم 235 بمعدل خفيف، أي 80%، وفقا للمواصفات النووية المعروفة، وبلغ عدد العاملين فيه 750 خبيرا ليبيا، منهم 200 تلقوا علومهم وتدريباتهم في بداية الثمانينات بالجامعات الأميركية، علما بأن ليبيا بدأت منذ 1983 الاعتماد على الاتحاد السوفييتي السابق في تدريب وتخريج كوادرها البشرية.


وكان المفاعل قبل إخراجه من العمل يستخدم 10 آلاف متر مكعب من المياه يوميا، بطريقة التقطير، وهو نظام بنته شركة "أندوينج دويتشر فيرفاهرينتيكنيك" الألمانية الشرقية، بحيث يؤمن تصريف المياه المقطرة، ضمن منطقة محاطة بأشجار كثيفة تحجبه عن الرؤية، وهي قريبة من مركز البحوث النووية في تاجوراء.


ولمكافأة ليبيا على تعاونها خففت الإدارة الأمريكية، في عام 2003، عقوباتها المفروضة على السفر إلى طرابلس، وقللت العقوبات الدبلوماسية، وسمحت أيضا لشركات نفط أمريكية بالبدء في التفاوض من أجل العودة إلى الدولة العربية الغنية بالنفط.