التوقيت الأحد، 05 يوليه 2020
التوقيت 06:48 ص , بتوقيت القاهرة

لتكن " مَصْرِيّة " على بركة الله

لم أستسلم لغواية قصر متابعتي لمؤتمر مصر المستقبل، على وسائل الإعلام المصرية والعربية وحدها، رُغم يقيني أنها من المرّات القليلة التي أجد فيها أسبابًا وجيهة، للاتفاق مع حالة الفرح والحُبُور الحقيقي، التي غلّفت وجه إعلامنا، خلال الأيام الماضية، احتفالًا بالنجاح الذي فاق التوقعات، لمؤتمر مصر المستقبل بشرم الشيخ.


من حقنا أن نفرح، لا مِراء في ذلك، فأن تنجح في تنظيم حدث عالمي اقتصادي بهذا الحجم لشيء رائع، وأن تنجح في تنظيم حدث عالمى اقتصادي بهذا الحجم، في ظروف ضاغطة، وتحت فحيح المؤامرات، وتواطؤ دول بأجهزتها وأموالها وأذنابها، من أجل إفشال أي جهد يدفع بمصر إلى الأمام فذلك شئُ أكثر من عظيم. تملكتني الرغبة في متابعة تغطيات الإعلام الغربي للمؤتمر، فالفرحة تكون مُضاعفة، عندما تسمع شهادات مُنصفة وموضوعية، من دوائر اعتادت التشكيك في كل ما يخص الحالة المصرية.


دع جانبًا المقالات الموتورة الصادرة عن فصيل المكتئبين والمشككين، فهي ردود أفعال طبيعية، تصدر عن أناس أعماهم تماهيهم مع كل فكر أسود، يريد شرًا بهذا الوطن، ويتمنى له كل الفشل، فالوطن لا يُمثل بالنسبة لهم أكثر من مطمع سلطة، يريدونها لنشر ظلاميتهم في ربوعة، وجرّنا إلى فيافي الجهل والخرافة.


إن أكثر ما أسعدني هو تعليقات الصحافة الغربية على المؤتمر، والتي خرجت مُنصفة، بل وخرج بعضها مشيدًا بالمؤتمر وفعالياته، وبالاتفاقيات والتعهدات التي تمخض عنها. لم تخف بعض التعليقات دهشتها من كثافة الحضور الدولي، الذي حمل أكثر من رسالة إيجابية، عن المسار الذي تمضي فيه مصر.


كان الإعلان عن العاصمة الإدارية لمصر مؤشرًا دالاً على قدر الطموحات التنموية لمصر، ليس فقط كتعبير عن احتياج حقيقي لعاصمة جديدة لمصر، ولكن لدلالته الأعمق كتعبيرعن طموحات مصر الجديدة المتطلعة إلى التنمية والنهوض على كل المسارات، وأولها الخروج إلى رحاب التنمية في جغرافيا جديدة تعيد اكتشاف إمكانات مصر الكبيرة، وتعيد اكتشاف عبقرية هذه الجغرافيا، وما يُمكن أن تقدمه من فرص لمصر.


العاصمة الجديدة ليست بالطبع هي كل مشروعنا النهضوي، لكنّها ستكون أيقونته المضيئة من حيث رمزيتها، كم أتمنى لو انتهت مداولات اختيار اسم لهذه العاصمة لتنتهي إلى تسميتها "مصرية"، ليس لأن البرازيل سمت عاصمتها الجديدة برازيليا، ولكن لتمنيات بأن يكون اسم عاصمتنا الجديدة نحتًا من الاسم الأعظم "مصر"، أيضا لإيحائية الاسم ودلالته، وسهولة نُطقه بما يحمله من استدعاءات وطنية وتاريخية.


لتكن علي بركة الله " مصرية Masria " هي حاضرة نهضتنا ورمز منعتنا، لتكن " مصرية " على اسم مصر سيدة الدنيا ورمز النماء والخصوبة، كما كانت إيزيس رمزًا لانبعاث مصر من رحم مؤامرة "ست". ليست كل الأمنيات جائزة، لكن ما رأته عيني في عاصمتنا أنها "مصرية "، حتى لو كان الاسم الذي سيستقر عليه الحوار بخلاف ذلك.


لا يوجد ما يمنع أن تتعدد الآراء فيما يتعلق باسم عاصمتنا، فحتى داخل أسرتي أطلقت ابنتي عليها اسم "جَمِيلا " Gamila، وتعمدت أن تكتبها كتابة صوتية وليس كتابة حرفية "جميلة"، لكي تجعلها سمة خاصة أو Brand بل ورسمت لها لوجو،  وبررت التسمية بأننا سبق أن أسمينا حيًا "بمصر الجديدة"، فلماذا لا تكون العاصمة رمزًا لمصر الجميلة.


ما أريد أن أصل إليه هو أن الحوار حول اسم عاصمتنا بصرف النظر عما سيفضي إليه هذا الحوار من تسمية، يعد مبادرة طيبة، وحالة من حالات المشاركة، التي تنعش الجانب الإيجابي في المخيلة الجمعية للمصريين، في شأن يتعلق بحاضرة دولتهم الناهضة الجديدة القوية، ورمز قدرتهم وحيويتهم على البناء والتجدد.


نحن بحاجة إلى البناء على نجاحات المؤتمر، فالمؤتمر كان السهل الذي يقود إلى الصعب، والصعب هو أن نعمل ونتعلم ونبتكر، والعمل ليس أي عمل بل العمل المتفاني بجد وإتقان، لابد أن يعود للعامل المصري فخره بمهارته وحرفيته، لا يعقل أن نسمع أن مستثمرين بنوا مصانع، ويستوردون عمالة من الفلبين والهند والصين، لضعف كفاءة العامل المصري، وثقافة الكسل وعدم الإتقان، التي ليس من الصعب أن تراها واضحة في سباك أو كهربائي يأتي إلى بيتك. كل ذلك ينبغي أن يتغير كي نستطيع المنافسة بالجودة والتفرد.


ساعة العمل دقت، ولا توجد قيادة تستطيع وحدها الإنجاز دون مشاركة الشعب. النهوض والإحياء المصري منوط بإرادتنا وعزيمتنا. استشهدت مديرة البنك الدولي كريستين لاجارد، خلال كلمتها بمؤتمر مصر المستقبل، بشعر أحمد شوقي على لسان أم كلثوم: وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا. أظن أن كريستين لاجارد كانت على حق، وأن أحلامنا لن يحققها التمني، ولكن يحققها العمل والعلم والتعلم والإبتكار.