التوقيت الأحد، 20 سبتمبر 2020
التوقيت 09:40 ص , بتوقيت القاهرة

الإلهاء والإنهاك والاستنزاف

في دنيا السياسة، تقوم العلاقات بين الدول والتكتلات، غالبا إن لم يكن دائما، على اعتبارات المصلحة والأمن، لا يوجد عدو دائم، كما لا يوجد صديق دائم. يخطئ من يبني حسابات ما بعد 3 يوليو 2013، على فرضية الضرورة المُطلقة لوجود داعم دائم للدولة المصرية الجديدة، يتوقف على دعمه أي تقدم أو تحقيق إنجاز يساعد في الوصول إلى الاستقرار المجتمعي والاقتصادي، بعد أربع سنوات من النزيف، الذي دفع ثمنه المواطن من أمنه الاجتماعي والاقتصادي.


نعم مصر بحاجة إلى الأصدقاء، خاصة أولئك الذين ترتبط مصالحهم وأمنهم الاستراتيجي بوجود مصر المستقرة، مصر التي تضمن لنفسها ولأصدقائها، الذين يمثلون لها إمَّا عمقا استراتيجيا أو حديقة خلفية، نوعا من التوازن في منطقة تَمُور بالتحديات الوجودية لدول مهددة في جغرافيتها وبنيتها السياسية.


مصر بحاجة إلى الأصدقاء بجانب كونهم ذوي رابطة في العروبة والجوار، ولكنّها بحاجة إليهم أيضا، من منطلق المشاركة في الإحساس بالخطر الماثل، والذي لن يستثني دولة أو إقليم بعينه. لا أظن أننا بحاجة إلى الاستشهاد بدول كاليمن وليبيا وسوريا والعراق، وذلك من فرط ما تم الإشارة إليهم كدول، تتجه بشكل سريع نحو المصير الذي لا نتمناه، من الانقسام والتشرذُّم، سواء على أسسٍ طائفية أو قبلية، يلعب فيها الإسلام السياسي بطبعته المتطرفة، دور الوقود لتأجيجها.


لم تكن تلك الحالة التي سيطرت على الوسط الإعلامي والنُخب من إحساس باليتم وافتقاد الداعم بعد وفاة الملك عبد الله، بالحالة الراشدة التي تستند على مبررات موضوعية. تلك الحالة التي جعلت الإخوان وظهيرهم الدولي يوظفونها للفَّتِ من عضد القيادة المصرية، وتثبيط الحالة المعنوية للشعب المصري في ظرفه المأزوم، وهو الأمر الذي انعكس على نشاطهم المحموم في التظاهر العنيف، وزرع المتفجرات بكثافة في كل شوارع مصر، ومواصلة تخريب الاقتصاد بحرق أوتوبيسات، وتفخيخ أبراج ومحطات الكهرباء، والنشاط المفاجئ لروابط الأولتراس المُسيسة، علاوة على تأجيج الإرهاب بسيناء، بدعم مخابراتي وتسليحي نوعي.


استند كل هذا الهياج على تصور أن السعودية قد رفعت يدها عن مواصلة دعم مصر، في ظل تقارير عن ميول الملك الجديد السياسية، زاد منها استقبال الخارجية الأمريكية لوفد من إخوان فرع تركيا، وهو الأمر الذي رآه البعض رغبة وإصرار من الإدارة الأمريكية في طرحهم كورقة من خلال الضغط على الداعمين الخليجيين لمصر، للحد من دعمهم للمساعدة في فرض قبول الإخوان على صانع القرار المصري.


الحاصل أن الحالة التي أشرنا إليها تقفز على حقائق أساسية كاستراتيجية العلاقة بين مصر والسعودية وباقي الأسرة الخليجية باستثناء قطر، وهي العلاقة التي إذا ما نحينا الأسس الأخوية منها جانبا، وهي موجودة بالطبع، فإن تلك العلاقة تستند على أسس راسخة من توافق المصالح وتماثل الخطر والتهديد، علاوة على روابط شعبية لا تخطئها العين، ونفس الأمر ينسحب على علاقات مصر بالإمارات والكويت.


 ومن هنا كان النشاط المحموم لتفخيخ مصر بإنهاكها في الداخل بمقاومة الإرهاب الذي حصل على دفعة هائلة خلال الأسابيع المنصرمة، وبالتوازي مع إشعال الداخل بالعنف والتظاهر المسلح، وإيقاظ روابط الأُولتراس المسيسة، مع استمرار مسلسل زرع القنابل في كل مكان لتشتيت الأمن وإلهائه. استندت هذه الفورة الإرهابية على وهم تغيُّر المعادلة بعد رحيل الملك عبدالله، ومن ثمَّ تغير الموقف السعودي في المُجمل، الأمر الذي يفتح أفقا جديدا أمام الإخوان لفرضهم كورقة على الواقع السياسي المصري.  


تتجاهل تلك المعطيات حقيقة أخرى هامة، وهي أن الإخوان أصبحوا مرفوضين شعبيا، وأن الاتكاء على فكرة المظلومية، وتكتيك التمسكن الذي خدمهم لأكثر من ثمانين عاما، لم يعد يجدي مع سواد الشعب المصري، الذي فكك النسق الفكري لهم بمساعدة مجانية من الإخوان أنفسهم، الذين لم يدخروا جهدا لعمل كل ما من شأنه كشف عوار فكرهم الانغلاقي وفساد منطقهم. لم يعد أمام الإخوان إلَّا اللعب في المساحات الفارغة بتخريب الجهود لإتمام الانتخابات النيابية كاستحقاق أخير لخارطة طريق ارتضاها الخارج قبل الداخل، وبنفس المنطق تخريب جهود عقد المؤتمر الاقتصادي في مارس، بزيادة وتيرة الإرهاب والتفجير.


لم يعد خافيًا أننا إزاء مخطط دولي يمكن عنونته، بالإلهاء والإنهاك والاستنزاف. ليس أمام القيادة المصرية من فِكاك من هذا المخطط الشرير، إلّا بالإصرار على مواصلة الطريق، وقبول التحدي، فالمخطط يراهن علي تفكك اللُحمة الشعبية وراء القيادة، وتراجع التأييد لها خاصة في ظل قرارات اقتصادية، تمثل الدواء المُر لتجاوز المحنة، ويظن البعض وهمًا، أنها ستكون حاضنة مناسبة، لاحتجاجات شعبية جديدة، تضاف إلى مسلسل الإنهاك والاستنزاف، لوطن يكابد كي يستعيد توازنه، في منطقة فقدت بالفعل توازنها، وينتظرها المزيد من دوامات دوار البحر.