التوقيت الثلاثاء، 25 فبراير 2020
التوقيت 07:50 ص , بتوقيت القاهرة

قرى من ذهب.."القرنة" احتفظوا بأسرار الفراعنة ليثبتوا للعالم أنهم ملوك صناعة الألباستر

قرى من ذهب
قرى من ذهب

هنا فى البرالغربى بالأقصر تاريخ يتحدث عن نفسه، ثابت قادر على التحدى عبر العصور لا يمكن أن يختلف عليه اثنين، يأتى إليه القاصى والدانى من جميع أنحاء العالم ليرى عظمة وإبداع المصريين؛ القدماء منهم والمعاصرين، أما فى عهدنا هذا فأذهلوا العالم من تقليدهم لتماثيل أجدادهم، فهم فنانين بالفطرة ورثوا فن النحت فى الصخر، واحتفظوا بأسرار الفراعنة داخل تماثيل من الحجر ليثبتوا للعالم أن أهالى قرية القرنة بمدينة الأقصر هم ملوك صناعة الألباستر فى مصر.

 

تاريخ صناعة الألباستر داخل قرية القرنة 

 

عرفت قرية "القرنة" حرفة النحت على الصخور وصناعة التماثيل الفرعونية المقلدة منذ زمن بعيد، حيث ورثها الأبناء من الآباء والأجداد فكانت ومازالت مصدر رزق لأهالى القرية، حيث يوجد أكثر من 250 مصنعا ومعرضا و400 ورشة تضم أطفال وشباب وعجائز يعملون بمنتهى الحرفية فى تقليد ثماثيل أجدادهم، فهناك من يقوم بتكسير الأحجار من الجبال ومنهم الحرفى الذى ينحت صخر الألباستر ليخرج منه بأشكال مختلفة، ومنهم الفنان الذى يحفر الحجر الجيرى ليخرج صورة طبق الأصل تحاكى رسومات المعابد، إنهم مبدعون يجسدون جماليات الفن فى تماثيل رائعة تصنعها أياديهم السمراء

 

 

سحر المعابد تجذب أنظار المارة 

 

من داخل تلك القرية التى تقع فى البرالغربى من مدينة الأقصر التى تحمل ثلث أثار العالم، كان لليوم السابع جولة ممتعة فيها، بدأت من عبور مياه النيل من البر الشرقى بعبارة يسميها الأهالى "المعدية" ومهمتها نقل المواطنين فى الأقصر بين البرين.

 

طريق واسع تسير فيه السيارة بين بيوت جميلة متواضعة وبعض المحلات التجارية التى تخدم أهالى منطقة البعيرات بالبر الغربى، يأخذك جمال تلك المنطقة الأثرية والتى تبلغ من العمر أكثر من 7000 عام حتى ترى الجبال وتلمح وادى الملوك ومعبد حتشبسوت وبعض التماثيل الفرعونية كعمالقة ممنون هما التماثيل الحجرية الضخمة لفرعون أمنحتب الثالث، حتى وصلنا إلى قرية "القرنة" حيث المصانع كثيرة فى كل مكان والحرفيون يجلسون أمام الورش كل منهم منهمك فى عمله.

 

 

صناعة التماثيل المقلدة 

 

التقينا مع مجموعة مختلفة من فنانى "القرنة "ومنهم شعبان أحمد من الأهالى وأحد حرفيين تلك المهنة، يقول شعبان: "ورثنا فن النحت والحفر على الحجر من أبائنا وأجدادنا، وعلمنها لولادنا قريتا الوحيدة على مستوى الجمهورية اللى بتصنع التماثيل الألباستر".

 

ويشرح مراحل العمل "بنجيب الأحجار من الجبل بعد وادى الملوك وهو ثلاث ألون الأبيض والبنى والأخضر أول حاجة بيعملها الفنان هى تشكيل الحجر فى أشكال مختلفة من فازى لطبق، تمثال، طفاية، بعد كده بنلفها بالقماش ومعجون بودرة الألباستر بالمياه ونتركها تنشف، وبعدها نشيل القماش ونبدأ أول مرحلة تنعيم بالمبرد وبعدين بحجر الرمى ثم توضع فى الفرن حوالى ساعة وبعد ما تخرج وتبرد ندهنها بالشمع الأبيض عشان تدينا اللون الطبيعى للحجر الألباستر".

 

الحاسة الفنية أهم مقومات صاحب الحرفة

 

أما عن فن الحفر على الحجر الجيرى فقال محمد السيد من أبناء القرية أحد فنانيها" أنا بشتغل فى الرسم وحفر الحجر الجيرى وأنا عندى 8 سنين، والدى وجدى هما اللى علمونى، إحنا بنجيب الحجر من إسنا، بنقطعه ونسنفره وبعدين نرسم عليه بالقلم الرصاص أى رسمة من المعابد، وبعد كده نبدأ فى الحفر بالأزميل لحد نهاية الرسمه كلها، وممكن تاخد معايا يومين أو أكثر".

 

ويكمل الفنان حديثه "أصعب حاجة الفنش الأخير، لو الواحد مش مركز ممكن الحاجب يروح أو العين المهم التركيز، حرفتنا دى اللى شغال فيها لازم تكون عنده الحاسة الفنية والصبر والتركيز عشان شغله يطلع مظبوط، لو ماطلعش مظبوط مش ممكن يكون فن".

 

 

 

 الأمريكان يفضلون التحفة النادرة 

بعد الانتهاء من صناعة التحفة تجدها مرصوصة داخل المعرض لتجذب الزوار سواء المصرين أو الأجانب حيث يأتون لمشاهدة مراحل صناعة التماثيل المقلدة ويقتنون منها ما يفضلون، والسائحون أنواع منهم السائح الأمريكى والفرنسى والإيطالى والروسى وغيرهم؛ ولكل منهم التحفة الفنية التى يفضلها فمثلًا السائح الأمريكى يفضل التحفة النادرة والمميزة ذات الطابع الخاص، والسائح الروسى والفرنسى فمثل الأمريكى تماما، وهناك سائحين يفضلون اقتناء هدايا تذكرهم بمصر والمكان الذين قاموا بزيارته فقط، هذا ما أكده حسان أبو العمدة صاحب مصنع لصناعة لتماثيل المقلدة، والذى أكمل حديثه لـ"اليوم السابع" قائلًا" كل مصنع بيحاول يجذب السائح ليه عشان يرجع له مرة تانيه، فى اللى شو بالدف والأغانى الجميلة زى الأقصر بلدنا بلد سواح، وفى اللى بيقدم مرحل تصنيع التحفة فى شكل فنى يجذب السائح، ده غير شطارة الترجمان اللى معاهم واللى بيكون من أهل القرية وفى الغالب من معرض التحف نفسه".

 

واللافت للنظر أن تجد شابًا يرتدى الزى الصعيدى "الجلباب والكوفية" يقوم بالشرح التفصيلى لمراحل تصنيع التماثيل المقلدة باللغات المختلفة، هذه مجموعة من السائحين الفرنسيين يتحدث معهم بطلاقة، أما هذه مجموعة من الأمريكان فيتحدث معهم وكأنه أحدهم، وهكذا، فالأطفال والكبار يحترفون نطق اللغات الأجنبية المختلفة بمنتهى المهارة وكأنهم ورثوها من كما ورثوا حرفهم التى أبهروا بها زوارهم.

 

 

أمنيات أصحاب الحرف فتح أسواق جديدة

لكل مهنة وحرفة مميزات ومعوقات وهناك بعض المعوقات التى قد تقابل أصحاب تلك الحرفة، يقول محمد السيد ليسانس أداب ترك الوظيفة وفضل حرفة الأجداد: قابلتنا معوقات كثيرة وخاصة بعد أحداث 25 يناير 2011 وانهيار قطاع السياحة فى مصر، فانخفض سوق صناعة التماثيل المقلدة، حيث أن تلك الحرفة تحتفظ بها قرية" القرنة "بالبر الغربى بمحافظة الأقصر دون غيرها من محافظات مصر، والآن وبعد عودة السياحة نوعًا ما نأمل أن تساعدنا الدولة فى فتح أسواق أخرى داخل المحافظات كى يكون هناك ترويج لمنتجاتنا، كما أننا نأمل مساعدة الدولة فى دعوتنا لحضور معارض سواء داخلية أو خارجية، حيث أننا لا نملك سوق تصديرى لمنتجاتنا ونعتمد على السائح فقط سواء المصرى أو الأجنبى.