التوقيت الأربعاء، 14 نوفمبر 2018
التوقيت 12:52 م , بتوقيت القاهرة

أرسلها لتسمع أخبارًا سارة!

على حين غرة من «مارك زوكربيرج» ورفاقه، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي «رسائل فجة»، تلح عليك بـ«الصلاة على النبي»، أو تقسم عليك بالله أن ترسل رسالة ذات محتوى «ديني» إلى أشخاص آخرين؛ لـ«تسمع أخبارًا سارة»!


هذه الرسائل وأشباهها ذكرتني بمنشورات «هل صليت على النبي اليوم؟»، التي انتشرت في النصف الأول من العام 2014، و«غرَّقت» شوارع وميادين المحروسة، وتبارى الجميع في طباعتها ولصقها على زجاج السيارات، وأسوار المدارس والجامعات، وجدران المنازل والمؤسسات، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.. وكأنهم يتعاملون مع الصلاة على النبي الكريم بنفس طريقة تعاملهم مع الدعاية الانتخابية!


بعض الناس يظنون أنهم- بصنيعهم هذا- يدعون إلى سبيل الله، ويروجون لدينه الحنيف، أو يحمون «بيضة الإسلام» من بعض المتربصين به؛ خاصة من بعض بعض الأجهزة التي شنت حملات إزالة لهذه الملصقات التي شوهت الشوارع والميادين؛ فاتهموها بمحاربة الإسلام، وهو اتهام ساذج، وصاحبه يكاد يكون مختلًا عقليًا.


وقبل أن تسألني «هل صليت على النبي»، وتتهمني بأنني عميل لـ«المؤسسات» التي تريد القضاء على الإسلام- وعلى رأسها دار الإفتاء، التي انتقدت على صفحتها بموقع تويتر انتشار مثل هذه الأمور- دعني أسألك: هل هناك مشكلة لدى المصريين مع «الصلاة على النبي» أو غيرها من الأمور الدينية؟ بالطبع لا.. هل استطاعت هذه المنشورات والرسائل أن تغير من سلوك المصريين إلى الأفضل؟ أشك في ذلك.. وهل هذه الأمور ستعيد للإسلام مجده وللمسلمين عزتهم؟


عشرات الأسئلة المشروعة التي نبحث عن إجابات لها، خاصة أن هذه المنشورات والرسائل لم تغير من طباع المصريين شيئًا، ولم ترفع من أخلاقهم الآخذة في التراجع الانحدار.. وإن لم تصدق، فيكفي أن أحيلك إلى بعض المشاهد اليومية في الشارع؛ لتحكم على سلوكيات الناس من خلالها.


فالسائق الذي يحرص على تزيين سياراته بالملصقات الدينية، ويشغل إذاعة «القرآن الكريم» في مركبته، قد يكون أول مَنْ يستغلك، ويرفع الأجرة عليك، ولا يلتزم بآداب السير على الطريق، ولا يبالي بدعواتك عليه عندما يتعمد «تقطيع» المشوار الواحد إلى عدة محطات، ولا يعير اهتمامًا لمشاعرك عندما يرفع صوت «الكاسيت» بطريقة مستفزة ليتمايل على أنغام أغنية «هاتي بوسة يا بت»!


والموظف الذي يجتهد للصق هذا المنشور هو ذاته الموظف الذي يذهب إلى عمله متأخرًا، ويتباطأ في خدمة الناس، ويختلق الأعذار ليتغيب عن العمل، والأدهى من ذلك أنه قد يطبع هذا الرسائل على ورق ونفقة المؤسسة وليس على نفقته الخاصة، دون أن يهتز له جفن، وكأنه يطبع من مال أبيه!


والبائع الذي يشارك في نشر هذه الرسائل، ويعلق بعضها على جدران محله، قد يكون أول مَنْ يغشك في البيع والشراء، ويخفي عنك عيوب السلعة!


والناشط الذي لا يدخر جهدًا لـ«تشيير» هذه الرسائل، هو ذاته الذي يدخل الصفحات الإباحية، ويعاكس البنات منتحلا شخصية غير شخصيته!


وحتى لا أُفهم خطأ، فما أقصده أنني لا أريد إلصاق مثل هذه المنشورات، أو تبادلها اعتباطًا؛ بل أعني تفعيلها في قلوبنا والعمل بها في حياتنا.. لا أريد وضع «القرآن» على تابلوه السيارات، وتحت الوسائد، بل العمل بكتاب الله والالتزام به سلوكًا ومنهاجًا.. فلا تحدثني عن الدين، بل دعني أراه متجسدًا في سلوكك وأقوالك وأفعالك وتعاملك مع الآخرين.


كنت سأبارك انتشار مثل هذه الأمور لو كان أصحابها، أو الداعين إليها كتبوا فيها «هل راقبت الله في تصرفاتك اليوم؟» هل أديت عملك بأمانة وإخلاص؟ هل فكرت في طريقة لخدمة الناس والتخفيف عنهم؟ هل وهل وهل..


اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارحمنا من السفهاء، والذين يخوضون مع الخائضين.